دور عظيم للجواري في الدول الا سلامية

. . ليست هناك تعليقات:




وقد كان للجواري أثر عظيم في سياسة القصور الإسلامية، ونستطيع أن نتصور ما كان يترتب على نفوذ جارية هي أم خليفة أو قرينة خليفة، وهن كثيرات كما قدمنا من الأثر في تدبير الشؤون العامة. نعم إن هذا النفوذ قلما ينتهي إلى حد التأثير في المبادئ الجوهرية لسياسة الخلافة، ولكننا نستطيع أن نلاحظ أنه كان يشتمل كثيرا من التفاصيل الهامة، ويؤثر في أحايين كثيرة في سير السلام أو الحرب. (ثمة ناحية أخرى كان للجواري فيها أثر قوي، ذلك هو ميدان التجسس، فيعهد إلى بعض الجواري البارعات في الحسن أن يقمن بأعمال التجسس على القصور الملكية، وكانت قصور بغداد والقاهرة والقسطنطينية كثيرا ما تلجأ إلى هذه الوسيلة للوقوف على ما تريد معرفته من أنباء القصور الخصيمة ومشاريعها. 

وقد ذاعت تجارة الرقيق في العصور الوسطى ذيوعا عظيماً، وكانت ثغور البحر الأبيض المتوسط وجزره أعظم مراكز هذه التجارة، وكان الرقيق من أسرى الحرب أو الغزوات الناهبة يحمل آلافاً مؤلفة إلى ثغور مصر والشام، فيحمله التجار إلى أقاصي البلدان الإسلامية في أفريقيا وآسيا، وكان أقطاب هذه التجارة الممقوتة يبذلون عناية خاصة لتعليم الجواري الحسان وتثقيفهن في مختلف الفنون وإعدادهن للخدمة الرفيعة في قصور الأمراء.

وفي الغرب لم يبلغ شأن الرقيق هذا المدى من الأهمية والانتشار، ولم تبلغ الجواري مثل هذه المكانة في القصور، ذلك أن الرق لم يزدهر في العصر القديم في الغرب، إلا عند اليونان والرومان، ثم الأمم البربرية التي اقتسمت تراث روما واقتبست نظمها وشرائعها، كالواندال والقوط والإفرنج.

 وفي عصر الإمبراطورية الرومانية، كانت قصور القياصرة والكبراء تغص بالرقيق من الجنسين، والجواري الحسان يقمن في القصر بالدور المريب، نفسه فمنهن الحظايا والراقصات والمغنيات بيد أنهن لم يبلغن من الوجهة الاجتماعية في القصور الرومانية أو الإفرنجية ما بلغته في قصور المشرق، بل كن يعدن دائما جنسا منحطا مريباً ويعاملن في الغالب باحتقار وخشونة، وقلما يعدن موضع الثقة أو يسمح لهن بمزاولة النفوذ. ومنذ القرن التاسع غدا الرق من الأنظمة المكروهة، وخفت وطأته نوعاً ما وبقي رائجا بين القبائل الجرمانية التي ما زالت تسودها الوثنية والبداوة.

الدولة البيزنطية

وفي الدولة البيزنطية لم يكن الرق نظاما مشروعا من الوجهة الدينية، ولكنه كان موجودا من الوجهة القبلية بصور مخففة، والجالس على عرش قسطنطينة كثيراً ما يهدي إلى الخليفة أو السلطان عدداً من الجواري الحسان حين تصفو العلائق بينهما، ويرد الخليفة أو السلطان الهدية بمثلها، والشأن كذلك في الدول الإيطالية، لا يعترف بالرق فيها كنظام مشروع، 

وإن كان البنادقة والجنويون لبثوا مدى عصور من أنشط تجار الرقيق ووسطائه. ونلاحظ أن النصرانية لم تجز تعدد الزوجات ولا التسري، ومن ثم كان اقتناء الجواري لغير أغراض الخدمة المنزلية أمرا محرما من الوجهة الدينية، ولا نكاد نسمع منذ القرن الحادي عشر بتجارة الرقيق في الغرب، ولكنها استمرت بعد ذلك في الشرق قرونا، وازدهرت أيام الحروب الصليبية على يد البنادقة والجنويين وكان معظم الجواري الحسان يؤتى بهن في تلك العصور من بلاد الصقالبة (السلافيين) والمجر ومن بعض القبائل التركية البدوية في القوقاز وتركستان، ثم يحملن تباعا إلى ثغور الشام ومصر والمغرب.

في القرنين 17،18

وفي القرنين 17،18 نشطت تجارة الرقيق مرة أخرى، من جراء الحملات البحرية الناهبة، التي كان ينظمها خوارج البحر المغاربة، على جزر البحر الأبيض وثغور النصرانية، واستمر الرقيق نظاما مشروعا في أمم الشرق حتى أوائل القرن التاسع عشر، فلمّا اضمحلت الأمم الإسلامية، وأخذت أوربا تغزوها بنفوذها، اجتمعت الدول الأوربية على مقاومة الرق وإلغائه. وبدأت إنكلترا بذلك فألغي الرق بقانون برلماني في سنة 1834م وعدّ جريمة يعاقب عليها بالموت، وحذت باقي دول أوربا حذو إنكلترا، وأصدرت قوانين مماثلة، وانتهت الدولة العلية بالموافقة على هذه الخطوة.

 فألغي الرق رسميا في أراضيها، ولكنه استمر بعد ذلك، حتى أواخر القرن الماضي، وكانت الجواري السلافيات والتركيات يمثلن إلى هذا العهد حريم الأمراء الشرقيين. ويقص علينا الأستاذ أحمد شفيق باشا في مذكراته ص90، إن الخديوي إسماعيل ترك في قصوره حين تخلى عن العرش، عددا كبيرا من الجواري الشركسيات، وأن ولاة الأمر لبثوا مدى يعملون للتخلص من هؤلاء الجواري بتزويجهن بموظفي القصر والمتصلين به وترتيب النفقات لهن، ولا يزال يعيش نساء كثيرون من أبناء هؤلاء الجواري.



تتشابه أسواق النخاسة في كيفية عرض البضاعة من أقدم العصور إلى الأزمان الأخيرة. كان النخاسون الرومان يوقفون الأرقاء على حجر مرتفع بحيث يتيسر لكل واحد أن يراهم ويمسهم بيده ولو لم يكن له رغبة في الشراء، وكانت العادة عندهم أن المشتري يطلب رؤية الأرقاء عراة تماماً، لأن بائعي الرقيق كانوا يستعملون وجوها كثيرة من المكر، لإخفاء عيوب الرقيق الجسمانية كما هو معروف عند بائعي الخيل. 

وفي الأزمان الأخيرة في بلاد السودان أعدت مصلحة النخاسة بيتا واسعا يجتمع إليه باعة الرقيق ويعرضون فيه الجواري صفوفا مترتبة، وينسقوهن إلى درجات مختلفة في الاتفاق في السن والشكل وباقي المزايا المرغوبة. 
فيقفن بإزاء الجدران وبعضهن عاريات الأيدي أو عاريات الصدور والساقين، وبعضهن بلباس كامل وهن السراري، فإذا جاء لابتياع جارية فحصها فحصاً دقيقا من قمة رأسها إلى أخمص قدميها كما تفحص البهائم عند ابتياعها فيفتح فمها ليتحقق انتظام أسنانها ويكشف عن صدرها وظهرها، ثم يأمرها أن تخطو ذهابا وإيابا ليرى مشيتها لئلا يكن فيها عوج، يخاطبها ليسمع كلامها مخافة أن لا تحسن اللسان العربي، فإذا تحقق لباقتها سامها من البائع ليطلب البائع ثمناً فيطعن المشتري في أوصافها تخفيضا من قيمتها فيشكو من اعوجاج أسنانها وانحناء ظهرها وسوء نطقها، ويدفع لها ثمنا قليلا فيعمد البائع من جهة أخرى إلى بيان مزاياها الحسنة، فيذكر من أوصافها ما لا يليق ذكره هنا.

 ومما يقلل من قيمة الجواري شخيرهن أو ميلهن إلى السرقة فإذا تقررت الصفقة تكتب ورقة البيع ويدفع الثمن، فتصبح الجارية ملكاً للمشتري وكانت أثمانهن تختلف باختلاف جمالهن وصحتهن وعمرهن، فالجارية العجوز في السوق السودانية كانت تساوي خمسين ريالاً وكانت المتوسطة ثمانين إلى مائة ريال والفتاة التي سنها بين الثامنة والحادية عشر من مائة إلى مائة وستين ريال والسرية تساوي ما بين مائة وثمانين إلى سبعمائة ريال،

 أما الأرقاء من الرجال فيمتنع بيعهم إلا إذا شهد شاهدا عدلٍ أن الرق المعروض للبيع ملك صريح للبائع ويسجل ذلك، ثم لا يحل ذلك السجل إلا بشهادة العتق كما هو معروف في بلاد اليمن، فقد كانت الحكومة التركية هناك تمنح الجواري والعبيد شهادات العتق ليخلصوا رسميا من ربقة الرقية وكان السادة الأدارسة وغيرهم من ملوك اليمن يوم كان الأتراك حكام البلاد يعتدّون هذه الشهادات، وقد رغب التعايش في زمانه بمنع بيع الرقيق الذكر وتوسل لذلك بما اشترطه من الشروط التي لا يمكن تحصيلها في الشهادة على رقيته.



دكة العبيد في مكة

هكذا كانت تعرض البضاعة في أسواقها وقد شاهدها كثيرون على دكة العبيد في مكة المشرفة، أما أسواق النخاسة فمنها أسواق أثينا في الحكومة اليونانية القديمة وقد كانت أسواقاً عظيمة يباع فيها العبيد ويشترى، وفي أغلب المستعمرات اليونانية. توجد أمثال هذه الأسواق ومنها أسواقاً قبرص وساموس وصاقص كانت أسواقاً قديمة لبيع الرقيق لقربها من موارده لا تزاحمها في ذلك أسواق أثينا ومنها سوق روما الكبير الذي كان يباع فيه الرقيق بالمزاد،
 ومنها أسواق موزنبيق الرائجة بضاعتها التي يقصدها النخاسون من البلاد البعيدة لابتياع الرقيق، ومنها أسواق لندن وليفربول المعروفة، ومنها أسواق أم درمان الكبرى وكان موقعها في جنوب بيت المال. 

ومنها سوق الرقيق في جدة، وكان موقعه على بعد خمسين مترا من دار القنصلية البريطانية، ومنها سوق عرد في تهامة وهو سوق عظيم للرقيق، ومنها سوق واشنتجون وبنايته اليوم البرلمان، ومنها سوق سيرط وكانت تقام للنخاسة سوق كبرى فيها، 
وكان السيرطيون ذوا ولع باقتناء الرقيق ولما زلزلت سيرطا سنة 464 ق.م أنتهز عبيدها الفرصة وخانوا أسيادهم وكادوا يخربون المدينة ثم اعتصموا في جبل اتوي، ولم يقدر السيرطيون أن يخضعوهم واستعانوا بالأثينيين عليهم فأخضعوهم وسلموا على شرط أن يسمح لهم أن ينزحوا مع مالهم فساعدهم الأثنيون وأسكنوهم في توبكوس على الشط الشمالي من خليج كورتشوس وصاروا أعوان أثينا في حروبها،

 ومنها ما كان في مكة المشرفة فقد كان سوق النخاسة فيها دكة تسمى دكة العبيد وهي معروفة، يوقف عليها العبيد لعرضهم للبيع، ومنها سوق تونس التي يجلب إليها العبيد من أوساط أفريقيا، ومنها سوق القاهرة بمصر عند باب زويلة أيام دولة المماليك، وفي العهد الحديث كان للرقيق وكالات أشبه بالبيوت لا ينقطع فيها البيع بأثمان معلومة، ومنها سوق ميدي وهي مركز مهم لتصدير الرقيق إلى عقبة اليمن والعسير وجدّة[10].

قال الريحاني: وإذا أراد أحد السادة الأدارسة شراء جارية حسناء يجيء إلى ميدي فلا تضل خطاه ومناه: والمعتمد البريطاني له صفة رسمية في الرقابة على النخاسة (قال): وقد رأيته استحضر نخاسا فسأله كيف السوق؟ فقال: واقفة، ثم سأله جارية للريحاني فأجاب لا يوجد اليوم ولا واحدة لا عندي ولا عند أصحابي، السوق واقفة ولم يدخل سنبوك واحد منذ شهرين وطلب منه أن يفتش ولو على دنفلية والثمن غير بخس؟ فأجاب أنه لا يوجد في ميدي الآن شيء من ذلك.




الجواري والسُراري

إذا اتخذ السيد جاريته للفراش فهي سرية، والتسري معروف من أقدم العصور ولا يبعد أن استرقاق النساء كان أقدم من استرقاق الرجال، وشذ أن يسترق الرجال المرأة ولا يتسرى بها، فإن النساء كانت ولا تزال من أثمن الغنائم في الحروب، وهذه العادة جارية حتى الآن بين الأمم المتوحشة والطوائف البعيدة عن الحضارة. 

وللأمم عادات سجلها التاريخ متبعة في الجواري والسراري، فالعبرانيون يستبيحون طرد السراري وحرمان أولادهن من الميراث، غير أنهم كانوا في الغالب يعينون لأولادهن سهما في التركة ولا يحاول الرجل منهم التسري بجاريته غالبا إلا برضى حليلته، ولا يتخذهن إلا الذين لا يرزقون أولادا من عقيلاتهم رغبة في النسل، وشذ من يتخذهن لمجرد قضاء الوطر، وكانت شرائعهم تحاول منع التطرف في التسري، ولا تعاقب السرية بتلك الصرامة التي تعاقب بها العقيلة الحرة في خيانتها، ومع ذلك فالفرق بين السرية والزوجة في المعاشرة والعرف قليل، وأول ما يرتكبه مغتصبو التاج والصولجان من سلاطينهم أن يتسروا بسراري سلفهم من الملوك الذين أزالوهم من عروشهم، وكان اتخاذ السراري عند الفرس القدماء فاشيا شائعا. ولما سار داريوس إلى الحرب اصطحب عدة من سرياته.

السبي المصدر الرئيسي للجواري

أما المسلمون فكان للجواري والسراري عندهم شأن كبير[11]. ولا تزال العادة جارية في العراق في أن يجعل بعض الصداق جارية للزوجة تستحقها على زوجها، فلا يستطيع الزوج بهذا أن يكلفها بخدماته قهرا إلا برضاها، لأن لها حقا عليه أن يملكها جارية تقوم بخدماتها.

أكثر ما ملك المسلمون من الجواري أصله السبي في حروبهم، فهي ملك الفاتحين، ولو كن من بنات الملوك أو الدهاقين يستخدموهن ويستولدوهن ويتصرفون في بيعهن تصرف الملاكين في أملاكهم وأولادهن أولاد شرعيين يضربون سهامهم في التركة، وكن من أحسن الهدايا التي يتهادون بها، ومن أحب التقرب لعظيم أهدى إليه جارية أتقنت صناعة يعلم أنه راغب فيها، فحمايتها دونه الوصايف الجميلات والفتيات الرخيمات الصوت، وإذا استولدها سيدها ربما تصير ربة البيت، وقد تكون من أمهات الخلفاء. 

ذكر أن الجارية دنانير كانت صفراء صادقة الملاحة وكانت أروى الناس للغناء القديم، وقد اشتراها جعفر البرمكي من رجل من أهل المدينة، وسمع الرشيد صوتها فألفها وصار يسير لجعفر لسماع غنائها ووهب لها هبات سنية، وعلمت بذلك زبيدة فسألته وشكته لعمومتها، فعذلوه فلم ينجحوا لإرجاعه فاشغلته بالجواري، وأهدت إليه منهن عشرا، منهن مارية أم المعتصم ومراجل أم المأمون وفاردة أم صالح.

وأهدى ابن طاهر إلى الخليفة المتوكل هدية فيها مائتا وصيفة ووصيف إن الاستكثار من الجواري لم يكن موجوداً عند المسلمين، وإنما ورثوه من الأمم التي سبقتهم في التاريخ، فقد كان ملوك الفرس والروم يتهادونهن وبلغ عددهن عند بعض الأكاسرة ستة آلاف. واعتاد الناس اقتناء الجواري وتاجر النخاسون في استجلابهن من أقصى بلاد الترك والهند والكرج والخطا وأرمينيا والروم والبربر والنوبة والزنج والحبشة، صغاراً وكباراً يربوهن على ما تقتضيه مواهبهن أو جمالهن، فينبغ منهن الخدم والحواض والمواشط والولائد والمغنيات والعوادات والعالمات وأُمهات الدهاء والسياسة وغير ذلك. 

وفيهن البيضاء والسمراء والحمراء والبربرية والزنجية، بين مولدة في البصرة أو الكوفة أو بغداد ممن يفصحن العربية، ومجلوبة من أرضها أو سبيّة، أخيذة على حالها تتكلم التركية أو الفارسية أو الرومية أو الهندية أو البربرية، ولو تعربت ففي لسانها عجمة. وتختلف أثمانها باختلاف الصناعة والجمال، والمولدة أثمن من الجليبة، وفي الجليبات النصرانية واليهودية والمجوسية، ولكل منهن شأن في دينها، فيعيدن أعيادهن بما يستلزمه العيد من الزينة الدينية كالصلبان والأحجبة ونحوها. ذكر ابن صدقة أنه دخل على المأمون في يوم الشعانين وبين يديه عشرون وصيفة حلبيات روميات قد تزين بالديباج الرومي وعلقن في أعناقهن صلبان الذهب، في أيديهن الخوص والزيتون.

اصناف الجواري
----------------------
والجواري على أصناف تختص بها: فبنات فارس وقيصر للنجابة والخدمة وبنات بربر والمولدات والزنجيات للزمر والحبشيات للحفظ وخزن الأموال والنوبة للطبخ والأرمن للتربية والرضاع،
ومن المأثور الوجوه في الترك والأجسام في الروم والشعور في الخطا وفارس والعيون في الحجاز والخصور في اليمن.
 وقد راجت تجارة الجواري على عهد العباسيين في بغداد رواجا عظيما، فكان يؤتى إليها بأجملهن خلقا وأذكاهن عقلاً، فيبعن بالأثمان الباهظة من رجال الدولة وأفراد العائلة الملوكية.

 وكان تعليم الجواري من أبواب الكسب الواسعة، وله أساليب مرعية وتقاليد متبعة تشبه تربية المماليك في مصر التي سنذكرها في موضعها، فكان يذهب أحدهم إلى دار الرقيق فيبتاع الجارية التي يتوسم فيها الذكاء فيثقفها ويعلمها فتباع بمائة دينار أو خمسمائة أو ألف أو أكثر. وقد تسابق أهل الترف في تزيينهن، واشهر من فعل ذلك أم جعفر، فإنها لمّا رأت ابنها يغالي في تخنيث الغلمان بإلباسهم ملابس النساء، اتخذت طائفة من الجواري أسمتهن المقدودات، عممت رؤوسهن وجعلت لهن الطرر والاصداغ والاقفية، وألبستهن الأقبية والفراطن والمناطق كأنهن من الغلمان.

واقتدى بها وجيهات قومها، فاتخذن الجواري الغلاميات أو المطمومات، وألبسوهن الأقبية والمناطق الذهبية، وكان لهن في دور الأمراء والخلفاء كلمة نافذة، وطبيعي ذلك لأميرات الجمال، فكان أرباب الدهاء من الخلفاء والأمراء يتباعدون عن الجواري إذا أهدين لهم، فلا يلتفون إليهن ولا سيما مؤسسي الدول، واشتهر بذلك معاوية والمنصور وعبد الرحمن الداخل، فكان المنصور يكره اللهو بهن وعبد الرحمن إذا أهداه أحد جارية ردها. وفي أبان الضعف والترف والرخاء، كانوا يتمادون في حب الجواري، كما فعلت حبابة بيزيد بن عبد الملك الأموي، حتى كادت تذهب عقله وشغلته عن مهام الخلافة.

وكما فعلت ذات الخال بالرشيد، فقد ملكت قيادهِ حتى حلف يوما أنها لا تسأله شيئا في ذلك اليوم إلا قضاه لها، فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج بفارس سبع سنين ففعل، وكتب له عهدا به وشرط على ولي عهده بعده أن يتمها له إن لم تتم في حياته. وكانوا يستخدموهن للجاسوسية أو نيل مرتبة أو منصب، وكان المأمون يدس الوصائف ليطلعنه على أخبار من شاء.



من اعمال الجواري

ومن أعمال الجواري الجبارة في قصور الخلفاء، أن المقتفي لما مرض سنة 555هـ وكان ولي عهده ابنه يوسف وكانت للمقتفي خطيبة هي أم ولد أبي علي، فأرادت الخلافة لأبنها، فأحضرت عدة من الجواري وأعطتهن السكاكين وأمرتهن بقتل ولي العهد يوسف إذا دخل على والده، وكان ليوسف خصي صغير يتجسس له، يرسله كل وقت يتعرف أمر والده، فأخبره بالأمر، فأستدعى استاد الدار وجماعة من الفراشين، ودخل الدار وهو شاكي السلاح شاهر سيفه، فثارت عليه الجواري، فضرب واحدة وجرحها ودخل من معه، فهربن الجواري وقتل منهن وغرق منهن قسم وسجن أم أخيه أبي علي.

الجواري في الدولة العثمانية

ولو تصفحنا تاريخ الدولة العثمانية، لرأينا أن الجمال الشركسي كان سر الفتنة في كل صفحة من صفحات التاريخ العثماني، منذ أن غارت جحافل بني عثمان على الأستانة واستولت عليها، إلى أن خلع السلطان وحيد الدين، فما فتأت الرايات العثمانية ألعوبة في أيدي الشركسيات الحسان اللواتي قدمن إلى هذه القصور جاريات رقيقات فأصبحن نافذات السلطان. وكان لسلاطين آل عثمان غرام شديد بالشركسيات، وهم كثيرو الحذر والريبة، يخشون الغدر ولا يثقون بأحد من أسرهم، ولا يرضيهم أن يتصلوا بأسباب الزواج بالأُسر العثمانية الكبيرة، ويفضلون أن يتخذوا نساءهم من الشركسيات اليتامى المجهولات الآباء والأمهات. وقد فتحت أبواب قصور السلاطين لهن، وأصبح في أيديهن مقاليد الإمبراطورية العثمانية بأسرها.

تجارة الرقيق في بلاد القوقاز

ولم يكن الاتجار بالرقيق عملا غير مشروع في بلاد القوقاز، بل كان أهم تجارة في تلك الأصقاع الجبلية، فالعبيد يرغمون على بيع بناتهم، والعمال لا يترددون في أن يعرضوا بناتهم في السوق، إذا خوى وقاضهم من المال، بل كان نبلاء البلاد حبا بالمال يفعلون ذلك. 

وكانت الأخلاق الشركسية تختلف عن الأخلاق الإسلامية وإن كانوا مسلمين، فإن النسوة الشركسيات لا يتحجبن، ويَعدَنّ ملكاً حلالا للرجل، وكانت الفتيات الشركسيات يتمنين اليوم الذي يعرضن في سوق الرقيق، وهناك تملأ الآمال قلوبهن، ويذكرن ما سمعن من القصص والأساطيرعن الجاريات اللواتي أصبحن محظيات السلطان الحاكمات بأمرهن، أو أحد الوزراء والأمراء، فينتقلن من بؤس الحياة إلى نعيمها. وكثيرا ما كانت تتحقق هذه الأحلام، وكثيرا ما كانت بنات زعماء القبائل يهربن من مواطن قبائلهن ويسلمن أنفسهن إلى النخاسين، فيرحلونهن إلى الأستانة، ويبيعونهن بأثمان باهظة إلى سراي السلطان، وكانت أثمانهن تختلف باختلاف جمالهن وسنهن.

والمعروف أنه كان في أحد الأعياد يقدم الأمراء وكبار الدولة كل واحد منهم جارية هدية إلى السلطان، ينتقيها من أحسن الجواري خلقا وأدبا لتكون له أحسن صلة بالبلاد، ثم توقف تلك الهدايا سماطين، ويمر السلطان من بينهما، وإذا وقع اختياره على واحدة منهن أو أكثر رمي شيئا مما يحمله في جيبه إشارة لقبول تلك الهدية، فتكون من حظاياه الخاصة، وينصرف الباقي برسم البلاط إلى حاشية منه فيهادي بهن السلطان من يشاء، أو يصرفهن لجهة أخرى.

الفتاة الشركسية

وقد كانت الفتاة الشركسية عندما تعرض للبيع يفحصها الشاري فحصا دقيقا، ويكون له الحق أحيانا بأن يفحصها ليلة بطولها في منزله بعد أن يدفع للنخاس ثمنها مسكانا (عربون)، وذلك حتى يرى نوع نومها، وهل هي تغط في النوم؟ أو تتحدث أحلامها، أو تتقلب في فراشها، فإذا ظهر فيها عيب من هذه العيوب أعادها للنخاس واسترد ما دفع.

ثمن الجارية

وكان ثمن الجارية يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف قرش، فإذا كانت متعلمة زادت قيمتها، وتفوز منهن بالثمن الغالي من تجيد التركية والفارسية والموسيقى، وقد يتولى النخاس تعليم الجارية وتهذيبها ليرتفع ثمنها، ومتى دخلت الجارية القصر عهد بها إلى الباش أغا واسمه بالتركية (قيز لواغاسي)أي أغا البنات، وهو يتولى تعليمهن تقاليد البلاط وأصول (البروتوكول) ويتولى تزينهن وتجميلهن ليرقن بأعين السلطان. وفي كل ليلة عند انتصافها يمر السلطان في حجرات الحريم، ويستعرض الفتيات اللواتي يصطففن في طريقه متكتفات الأذرع مرسلات الشعر مجردات الجسد إلا من غلالة بسيطة شفافة، وتمر هذه الدقائق كالأجيال على أولئك الفتيات وكل منهن تتمنى أن تظفر بنظرة السلطان ورضاه.

السعيدة من تحمل من السلطان

واللاتي ينلن ذلك من يصبحن (قادين أفندي)، والسعيدة من تحمل من السلطان، فإنها تنتقل في الحال إلى جناح خاص من القصر، ويحيطها السلطان برعايته وتصبح أقرب الناس إليه. وليس كل جارية تدخل البلاط تصيبها السعادة، فكثيرا منهن قاسين محنا رهيبة، وقدرت عليهن المقادير حياة تعسة دموية، فمن ذلك ما يروى عن سليمان القانوني، أنه قبل توثبه العرش إستحظى شركسية بعد غرام طويل، واستولدها ولدا جميلاً، ولما نودي به سلطاناً ما لبث أن هام بحب فتاة روسية، وقد فتنته ولما استحظاها كان لها سلطاناً عظيماً في بلاطه، أثر في تقرير العلاقات بين روسيا والدولة العثمانية وحصل شجار بين أم أولاده والروسية، فاعتدت الأولى على الثانية، فرمي بها من شرفات القصر، فسقطت في فنائه مهشمة وأسلمت روحها، هذا في قصور الخلفاء والناس على دين ملوكهم.

التفاخر بالجواري البيض

وكان الأعيان والأمراء والوجهاء يتفاخرون في اقتناء الجواري البيض، وقد أصبحن أمهات لرجال البلاد في كثير من أقطار الإسلام، وكانت خدمة المنازل موزعة بين الجواري البيض والجواري السود في القصور الكبيرة والسرايات العظيمة، وكانت للبيض الرئاسة والأعمال الدقيقة التي تتطلب مهارة، مثل الخياطة ومقابلة الزائرات ومسامرة السيدة ربة البيت والقيام بزينتها. أما الجواري السود فكن يقمن بالخدمة المنزلية، فإذا راقت لسيدها واستولدها أعفيت من كثير من الخدمة المنزلية، وجلست مقعد الضرة، ويسمى ولدها (مولد). وتسمى الجارية في بعض الأقطار التي تكون لها السلطة والهيمنة المطلقة على المنزل (الدارة).

العرب يفضلوا التسري ويكرهوا الزواج بالجواري

وكان العرب يكرهون التزويج بالجواري ولكنهم لا يستنكفون من التسري بهن، وقد كثر التسري عند المسلمين في جميع القرون الإسلامية، كما شاع عند الرومانيين، والسرية أحط منزلة من الزوجة ولكن علاقتها شرعية. وذكر أن للمتوكل[12]العباسي أربعة آلاف سرية وطأهن جميعاً، وكان لنصر الدولة صاحب مبا فرقين (360) سرية عدد أيام السنة، ولما قبض صلاح الدين على قصور الفاطميين بمصر، وجد في القصر الكبير (12000) نسمة ليس فيهم فحل إلا الخليفة وأهله وأولاده، فأطلق البيع فيهم فاستمروا يبيعون عشر سنين، ولا يزال أمثال ذلك عند أمراء الشرق وملوكه إلى عهد قريب. وقد ارتفعت أثمانهن لشدة رغبة الملوك فيهن، وقد ابتاع سعيد أخو سليمان بن عبد الملك (الذلفاء) بمليون درهم نحو سبعين ألف دينار، وابتاع الرشيد جارية بمائة ألف دينار، واشترى أخرى من إبراهيم الموصلي بست وثلاثون ألف دينار، 

وطلب محمد الأمين إلى جعفر بن الهادي أن يبيعه جارية له اسمها (بذل) فأبى فأمر فأورقوا قاربه ذهبا فبلغت قيمة ذلك عشرين مليون درهم أي أكثر من مليون دينار، واشترى يزيد بن عبد الملك (سلامة) المغنية بعشرين ألف دينار، وبيعت الجارية (ضيا) بخمسين ألف دينار، واشترى جعفر البرمكي جارية بأربعين ألف دينار، وكان السلاطين العثمانيون في بداية أمرهم يتزوجون من بنات قبيلتهم أو من بنات ملوك النصارى، فإن السلطان أورخان تزوج بنت الملك يوحنا، وابنة السلطان مراد خان تزوج بنت ملك البلغار والسلطان بايزيد تزوج بنت صاحب الصرب والسلطان محمد الفاتح تزوج (فيلبي) بنت آخر قياصرة الروم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جديد

محاولة وضع سلا يدر

صفحة المقالات لابرز الكتاب

المشاركات الشائعة