سوريا خلال الانتداب الفرنسي
الاتحاد السوري (دولة دمشق – دولة حلب – دولة العلويين)
دخلت القوات الفرنسية دمشق في 24 تموز 1920 بعد أن لاقت مقاومة عنيفة من قبل وزير الحربية يوسف العظمة على رأس قواته القليلة في موقعة ميسلون حيث جرت معركة غير متكافئة مع القوات الفرنسية الكبيرة، انتصر فيها الفرنسيون وتمكنوا من دخول دمشق على جثث السوريين. وطالبوا الملك فيصل بمغادرة البلاد كما قام الجيش الفرنسي باحتلال الثكنات، وفرض السيطرة العسكرية على المدينة مستخدماً أبشع الأساليب الاستعمارية. ففي 27 تموز أذاع الجنرال غورو بياناً جاء فيه إعلان الأحكام العرفية في البلاد، وفرض على الشعب السوري دفع غرامة مالية تقدر بعشرة ملايين فرنك فرنسي كغرامة حربية، ونزع سلاح الجيش السوري وتقديم عشرة آلاف بندقية للجيش الفرنسي وتسليم كبار المدنيين والعسكريين السوريين للمثول أمام المحاكم العرفية وإنهاء الحكم الفيصلي،
وتم تنفيذ حكم الإعدام في العديد من الوطنيين ونفي العديد منهم. تقسيم سوريا عندما استقرت الأوضاع الداخلية، بدأ الاستعمار الفرنسي في تنفيذ سياسة فرض السيطرة الكاملة على كل سوريا، تنفيذاً لمخططهم الاستعماري القائم على أساس التقسيم والتجزئة وإنشاء الدويلات لما سموه بالشعوب السورية، وعمد إلى تقطيع اوصال سوريا فقسمها إلى عدة دول فشهدت سوريا في عهده كما في عهد سلطة الحكام والمفوضين الساميين الفرنسيين لاحقاً حكومات لست دول مستقلة وهي دولة دمشق (1920) ودولة حلب (1920) ودولة العلويين (1920) ودولة لبنان الكبير (1920) ودولة جبل الدروز (1921) ودولة لواء الاسكندرون المستقل (1921)، ولكل من هذه الدول علم وعاصمة وحكومة وبرلمان وعيد وطني وطوابع مالية وبريدية خاصة.
بسبب الرفض الشعبي للتقسيم وعدم الاعتراف به قامت فرنسا في عام 1922 بإنشاء اتحاد فدرالي فضفاض بين ثلاث من هذه الدويلات (دمشق وحلب والعلويين) تحت اسم “الاتحاد السوري”، واتخذ علم لهذا الاتحاد كان عبارة عن شريط عرضي أبيض يتوسط خلفية خضراء. في نيسان 1922 زار تشارلز كراين دمشق ليطلع على واقع الانتداب ومدى تقبل الشعب له، ولدى وصوله ثارت دمشق وعمتها المظاهرات الرافضة للانتداب والمطالبة بإنهاء تقسيم سوريا لست دول على أسس طائفية وعرقية. وبسبب هذه الفوضى أصدر الجنرال غورو في9 نيسان قراراً بإنفاذ حالة الطوارئ في سوريا، وفي اليوم التالي 10 نيسان تحدى طلاب المدارس قرار حالة الطوارئ المقرون بحظر التجول، وجابت دمشق مسيرات حاشدة انضمت إليها النساء، وقتل خلالها طالبان وجرح ستة، كما شنّ الفرنسيون في 18 نيسان حملة اعتقالات واسعة ونقلوا المعتقلين إلى سجن جزيرة أرواد.
الاتحاد السوري هو الكيان الذي أنشأه الانتداب الفرنسي في سوريا بموجب إعلان 28 جزيران 1922 في عهد الجنرال غورو، وشكل المجلس الاتحادي المختار من قبل غورو هيئته العليا التي انتخبت رئيس الاتحاد صبحي بركات. علماً أن هذا الاتحاد يعتبر الصيغة الفيدرالية الوحيدة التي تمت في تاريخ سوريا الحديث. أعلن غورو تشكيل هذا الاتحاد بسبب ضغط الشعب عليه والفوضى التي تسببوا بها من خلال المظاهرات المنددة بتقسيم سوريا. وعليه وجد غورو الحل في 28 يونيو 1922 بإعلان ميلاد “الاتحاد السوري” على أساس فيدرالي بين دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين، على أن يكون للاتحاد رئيس ينتخب لمدة سنة واحدة غير قابلة للتمديد، ينتخبه ويعاونه مجلس اتحادي مكوّن من خمسة عشر عضواً، خمسة عن كل دولة.
كما ترك لرئيس الدولة مهمة تشكيل الحكومة على أن تكون حكومة فيدرالية مقابل حكومات محلية ومجالس محلية داخل الاتحاد. قام غورو بتعيين المجلس الاتحادي استثنائياً يوم 28 حزيران (بحسب إعلان غورو فإن المجلس الاتحادي يجب أن ينتخب انتخاباً) وفق الشكل التالي: عن دولة دمشق: محمد علي العابد – عطا الأيوبي – فارس الخوري (ممثلو دمشق( طاهر الأتاسي (ممثل حمص). راشد البرازي (ممثل حماه). عن دولة حلب: صبحي بركات – غالب إبراهيم باشا – رشيد المدرس – حسين أورفلي – اسكندر سالم. عن دولة جبل العلويين: جابر العباس – إسماعيل هواش – إسماعيل جنيد (ممثلو الجبل). عبد الواحد هارون – اسحق نصري (ممثل اللاذقية).
في اليوم ذاته عقد المجلس اجتماعًا في حلب وانتخب صبحي بركات رئيساً للاتحاد. حكومة الاتحاد السوري تشكلت في 18 حزيران 1922 وهي سابع حكومة في تاريخ سوريا الحديث، وثاني حكومات عهد الانتداب الفرنسي وتتميز هذه الحكومة بأنها الحكومة الفيدرالية الوحيدة في تاريخ البلاد. كما أنها أول حكومة جمع رئيسها بين منصب رئيس الوزراء ومنصب رئيس الدولة. والحكومة الوحيدة التي تم تشكيلها في حلب وليس في دمشق، وهي آخر حكومة تصدر مراسيم تشكيلها عن الجنرال هنري غورو. أما عن تشكيلة الحكومة فكانت كالتالي: صبحي بركات، رئيساً للوزراء ورئيساً للاتحاد السوري. محمد علي العابد، وزيراً للمالية. وحسن عزة باشا، وزيراً للأشغال العامة. ونصري بخاش، وزيراً للمصالح المدنية. كان لهذه الحكومة عدة منجزات فمنها أن قامت الحكومة باستحداث درك الاتحاد السوري وتعيين مصطفى نعمة مديراً عاماً له،
كذلك فقد أصدرت الحكومة في تاريخ 23 تشرين الأول 1923 قراراً بإلغاء الامتيازات الأجنبية الممنوحة لدول أوروبا من أيام الاحتلال العثماني للبلاد والتي كانت من بنودها تقاضي الأوروبيين أمام محاكم أجنبية خاصة، وبدلاً من المحاكم الخاصة أنشأت محاكم مختلطة يرأسها قاضي فرنسي وعضوان أحدهما سوري والآخر فرنسي، لها فرعان في دمشق وحلب، وقد وسعت مهام المحاكم لاحقًا بقرارات صادرة عن المفوض الفرنسي. وكذلك في 24 تموز 1922 وخلال ولاية هذه الحكومة تمت المصادقة في عصبة الأمم على صك الانتداب رسمياً. أما على الصعيد المالي ففي الأول من آب عام 1922 وقع صبحي بركات مع وكيل دولة لبنان الكبير ودولة جبل الدروز على اتفاق “بنك سورية ولبنان الكبير” ومقره باريس، وقد تضمن الاتفاق إصدار عملة وطنية للاتحاد السوري ودولة لبنان الكبير ودولة جبل الدروز هي الليرة المربوطة مع الفرنك الفرنسي. استقالة حكومة الاتحاد السوري وحله مع بداية عام 1923 عاد الجنرال هنري غورو إلى فرنسا، ووصل عوضاً عنه إلى سوريا في 9 أيار 1924 المفوض الفرنسي الجديد مكسيم فيغان.
قام فيغان بجولة واسعة في سوريا شملت دمشق وحلب واللاذقية، أكّد خلالها الوجهاء على عدم كفاية الاتحاد السوري ومجالسه التمثيلية، وطالبوا بتوحيد البلاد السورية في دولة واحدة وإنشاء مجلس تأسيسي لوضع دستور جديد للبلاد وتأليف وزارة مسؤولة أمام المجلس النيابي. وبناء على ذلك أعلن فيغان في 26 حزيران أنه يفكر بإعلان الوحدة بين دولتي دمشق وحلب ثم نفذ ذلك فعلاً في آخر شهر من ذلك العام يوم 15 كانون الأول 1924، حين حل الاتحاد السوري وأعلن قيام “الدولة السورية” بدلاً عنه مع فصل دولة جبل العلويين عنها والتي أعاد لها استقلالها بعاصمتها اللاذقية، كما قام بالقرار نفسه بفك لواء إسكندرون عن ولاية حلب وربطه برئيس الدولة السورية مباشرة على أن يكون له استقلال مالي وإداري. عيّن فيغان صبحي بركات رئيساً للدولة السورية الجديدة لمدة ثلاث سنوات، وطلب منه تأليف الحكومة الجديدة، أي أنه أبقى على الجمع بين منصبي رئيس الدولة ورئيس الوزراء، على أن تباشر “الدولة السورية” مهامها في 1 حزيران 1925.
بلال سلامة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق