الشعر السياسي في العصر العباسي
الشعر السياسي في العصر العباسي
--------------------
يعد العصر العباسي عصر تحول في الاتجاهات الفكرية والثقافية بتنوع مصادر الثقافه واتجاهاتها وكان الامراء والخلفاء ادباء ملمين بأسس نقد الشعر وبالمقابل اتجهت طموحات الشعراء إلى منحى أخر وتعدت النوال المادي من قبل الخلفاء والامراء إلى مدى ابعد من ذلك وتعدت إلى تولي الإمارة وتوليهم اقطاعات في الدولة العباسية ؛ تبعا لذلك ظهر في الشعر العربي مايسمى بالشعر السياسي واخذ الشعراء يعنون بالحياة السياسية ويزبحون فيها القصائد ، وتحول الشعر من مدح الخلفاء إلى ما هو ابعد من ذلك طمعا في الامارة .
اضافة لماسبق فان الثورات التي قامت في تلك الفترة من حياة الدولة العباسية ، أيدها شعراء كثيرون واخذوا يدافعون عنها وبالمقابل وقف الجزء الاخر منهم مع خلفاء الدولة العباسية يزبون عنها . فنشأ بذلك شعر سياسي وإن تلون عند بعض الشعراء بالمديح والهجاء ولكنه في مجمله لايخرج عن كونه اتجاه جديد وتحول ملموس في الشعر العربي القديم .
ومن الملاحظ إن الشعر السياسي لم يكن صادقا في اغلبه فنجد . بعضهم يعرض بعلي رضي الله عنه طلبا للمال وذلك كقول الجماز([1]) :
ليس لي ذنب إلى الشيعة الا خلتين
حب عثمان بن عفان وحب العمرين
ويريد بالعمرين ابوبكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وانهم من اهل السنة وبمقت الشيعة
ربما يقول احدهم إن الشعر السياسي بدأ في العصر الاموي حيث قيام الثورات والتقلبات السياسية التي عصفت في اخر المطاف بالدولة الاموية. غير أن معظم تلك الثورات كانت داخلية ولم يكن فيها البعد الخارجي والذي كان السمة البارزة في العهد العباسي ، فهي في مجملها كانت ثورات عربية (ابن الزبير ، يزيد بن المهلب ، ثم ثورة بني العباس) بخلاف ثورات العهد العباسي حيث كان العنصر الخارجي فيها ظاهراً ، والاضمار للاسلام والعروبة كان جلياً ، والدافع السياسي الخارجي واضحاً ؛ فلذلك كانت الثورات السياسية وماتبعها من ظهور الشعر السياسي جليا ومرتبطا بتلك الفترة . وكان للشعوبية صدى واسع في الشعر السياسي ، فهاهو بشار يقول[2])
هل من رسول مخبر عني جميع العرب
من كان حياً منهم ومن ثوى في الترب
بأنني ذو حسب عالٍ على ذي الحسب
وتعلو وتيرة الشعر السياسي في العصر العباسي وتنخفض تبعاً لقوة وضعف الخلفاء في الدولة العباسية وامراء الامارات العباسية. ويسجل التاريخ والشعر العربي للخليفة المعتصم دوره السياسي البارز وقوته في التصدي للتدخلات الخارجية والدفاع عن زمام العرب والذب عن حياضهم ، فتم رصد كل ذلك في اشعار الشعراء المعاصرين له مثل ابي تمام في قصيدة "فتح عمورية".
وببداية العصر العباسي الثاني وتولى الخليفة المتوكل مقاليد حكم الدولة العباسية ، ظهرت الخلافات بين الخليفة وقواد الجيش من الاتراك مما حدا بالمتوكل إلى نقل عاصمة الخلافة إلى دمشق لمدة شهرين ، ذكر بعض الشعراء ذلك متندرا[3])
أظن الشام تشمت بالعراق
إذا همَّ الامام إلى انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيها
فقد تبلى المليحة بالطلاق
ولعل حال الحكام قد بلغ درجة كبيرة من الانحطاط بتدخل الاتراك والفرس في شؤون الدولة العباسية مما جعل أحد الشعراء يصف ذلك متندراً[4])
خليفة في قفص بين وصيف وبُغا
يقول ما قالا له كما يقول الببغا
وقول الآخر[5])
وزيرٌ لايملُّ من الرقاعة
يولي ثم يعزل بعد ساعة
إذا أهل الرُشا صاروا اليه
فاحظى القوم اوفرهم بضاعة
وهو تصوير حقيقي للحالة السياسية التي بلغتها الدولة العباسية في تلك الفترة من الضعف وتدخل الاتراك والفرس وغيرهم في مجريات الأحداث السياسية ، التي عصفت في اخر المطاف بالدولة العباسية إلى غير رجعة.
وفي جانب اخر ظهر شعراء الشيعة يمدحون آل البيت ويبالغون في وصفهم ونعتهم ويبكونهم ؛ لما وقع عليهم من ظلم ، كقول احمد بن الطاهر[6])
سلام على الاسلام فهو مودع
اذا مامضى آل النبي فودعوا
فقدنا العلا والمجد عند افتقادهم
وأضحت عروش المكرمات تضعضع
لقد اقفرت دار النبي محمد
من الدين والاسلام ، فالدار بلقع
وقُتّل آل المصطفى في خلالها
وبُدد شملٌ منهم ليس يجمع
وقد اخذ الشيعة وبعض الطوائف ، على الدولة العباسية انغاس الولاة والامراء وقواد الجيش في حياة الملزات والمجون ، وفي ذلك يقول محمد بن البعيث[7])
لهف نفسي على قصور ببغداد
وما قد حوته من كل عاص
وخمور هناك تشرب جهرا
ورجال على المعاصي حراص
لست بابن الفواطم الزهر إن
لم أُقحم الخيل بين تلك العراص
غير انه من الملاحظ ان مانادى به الشيعة من صفات واخلاق حميدة، وذمهم للخلفاء العباسيين لمجونهم وفسقهم ، هو عينه ماوقع فيه اصحاب هذه الثورات ، بل افحشوا فيه وظهرت بعد ذلك بثوب غير الذي نادى به شعراؤها.
عندما فشى امر هذه الثورات ، ظهرت حقيقة ضلالها وفجورها وميلها إلى قتل الأبرياء ومن أولئك أبو طاهر الجنابي صاحب الاحساء والبحرين ، الذي يقول في قصيدة طويلة مهددا ومتوعدا[8])
فمن مبلغ اهل العراق رسالة
باني انا الموهوب في البدو والحضر
فياويلهم من وقعة بعد وقعة
يساقون سوق الشاء للذبح والبقر
سأصرف خيلي نحو مصر وبرقة
إلى قيروان الترك والروم والخزر
اكيلهم بالسيف حتى ابيدهم
فلا ابق منهم نسل انثى ولا ذكر
اعمر حتى يات عيسى بن مريم
فيحمد آثاري وارضى بما أفر
واشتدت الصراعات وتعددت اطرافها وتنوعت ملامحها السياسية ، وكان للشعراء فضل إذكاء نيران تلك الصراعات السياسية ، وكانت أشعارهم في مدح هذا الاتجاه أو ذاك بمثابة الوقود الذي يلقى على النار فيزيد من أوارها ، وتتقلب تلك الصراعات ؛ فتارة تصطبغ بصبغة دينية ، ومرة بقومية عربية ، وأخرى بنعرة شعوبية ، والشعراء هم الكير الذي ينفخ فيها فيؤجج نيرانها كلما خبت، وفي ذلك يقول علي بن الجهم واصفا تلك الحال[9] :
قام وأهل الأرض في رجفة
بط فيها المقبل المدبر
في فتنة عمياء لا نارها
خبو ولا موقدها يفتر
ويأخذ الشعراء في تصوير الصراعات السياسية في شكل مشاهد ، فهاهو البحتري يصور أحداث مقتل الخليفة المتوكل واصفا لها بالمؤامرة السياسية التي تحاك ضد الخليفة ، ويشير إلى المتهمين المتورطين في مقتله بما فيهم ابنه ولي العهد، فيقول[10]:
أكان ولي العهد اضمر غدره
فمن عجب ان ولي العهد غادره
وهل ارتجى أن يطلب الدم واتر
يد الدهر والموتور بالدم واتره
فيمتزج العرض بالتحليل السياسي والنفسي في وصف هذه الجريمة الشنعاء والتي توضح ان الصراعات السياسية كانت السمة البارزة في ذلك العصر.
وملاحظها يمكن ان نلمحها في عموم الشعر السياسي وهو صدق الإحساس في المرثيات السياسية التي عبر عنها الشعر في مراثيهم لشخصيات أو بلدان او حضارات ، ومن أمثلة ذلك مرثية علي بن الجهم في مقتل المتوكل وتصوير أحداث مصرعه حيث يلتقي مع البحتري في أسلوب الاستنكار ، حين يقول:[11]
فأين الحجاب الصعب حيث تمنعت
بهيبتها أبوابه ومقاصره
فما قاتلت عنه المنون جنوده
ولا دافعت أملاكه وذخائره
وفي اتجاه آخر يبرز الالتزام بالحس القومي العربي في الشعر ، حيث نادى المتنبي مرارا وتكرارا بالقومية العربية وما آلت إليه من تردى مرير:
إنما الناس بالملوك وما
تنفع عرب ملوكها عجم
لا دين عندهم ولا حسب
ولا عهود لهم ولا ذمم
وفيما يختص بالثورات السياسية فلم تكن ثورة الشيعة بزعامة العلويين وحدها التي أقضت مضاجع الخلفاء وأخرجت لنا شعر الثورات ، فقد كانت هناك ثورات أخرى حدثت في أرجاء الخلافة العباسية الواسعة وامتاز بعض أولئك الثوار بنظم الشعر فجمعوا بين كونهم ثوار وقواد وبين شاعريتهم التي عضدوا وآزروا بها ثوراتهم ضد الدولة العباسية، سنأخذ بعض الأمثلة لشعراء تلك الثورات ، وقد عنينا بتناول المغمورين منهم والذين لم تحفل بهم كتب الأدب كثيرا ولم يكن لهم صيت ؛ ذلك ان شعراء السياسة ممن مدحوا الخلفاء ومجدوهم سنفرد لهم مساحة منفصلة نتناول فيها حياتهم وأثر السياسة في أشعارهم.
ومن أمثلة شعراء ثورة الزنج ، ومناداتهم بالتحرر من ذل العبودية وطلب المساواة ،قول احدهم مخاطبا بني العباس قائلا:[12]
بني عمنا لا توقدوا نار فتنة
بطيء على مر الليالي خمودها
بني عمنا إنا وانتم أنامل
تضمنها من راحتيها عقودها
ومن أولئك الثوار الذين سطروا مجد بطولاتهم شعرا عبد العزيز بن بكر بن عبد العزيز ،وكان أبوه واليا على إقليم الجبل في إيران من قبل هرون الرشيد حتى وفاته ، فعزله الخليفة المعتز وولى عليه موسى بن بغا ، ومن شعره قوله متوعدا الخليفة:
ألقى الأحبة بالعراق عصيهم
وبقيت نصب حوادث الأيام
وتشعب العرب الذين تصدعوا
فذببت عن أحسابهم بحسامي
فلأقرعن صفاة دهر نابهم
قرعا يهد رواسي الأعلام
ولأتركن الواردين حياضهم
بقرارة لمواطئ الأقدام
يا بدر إنك لو شهدت مواقفي
والموت يلحظ والصفاح دوامي
لذممت رأيك في إضاعة حرمتي
ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي
حركتني بعد السكون وإنما
حركت من حصني جبال تهام
ونلمح في حديثه نبرة الأسى لحال العرب في تلك الفترة فقد صاروا فرقا مختلفة ، ضعفاء يستبيح حمامهم حثالة الناس من الأعاجم وغيرهم ، وهو في هذه الأبيات يتوعد الخليفة المعتضد كما يتوعد أعداء العرب ممن استباحوا بيضة العرب ؛ بالذل والهوان ، والأبيات فيها من قوة الألفاظ ووضوح المعاني ، كأنها وقع القنا او صلصلة السيوف ، وهذا النوع من الشعر ما كان سائدا في شعر الفخر السياسي في ذلك العصر.
وشعر المديح السياسي –إن جاز لنا أن نسميه كذلك- لم يكن مدحا صرفا للخلفاء والوزراء والقواد، إنما نشأ نوع جديد من المدح باطنه هجاء وانتشر هذا النوع في العصر العباسي ، ويمكننا أن نلحظ هذا النوع من الشعر عند المتنبي (وهو شبيه بما يسميه الصيادلة Sugar coated) ) بتغليف الحبوب المرة بغلاف سكري) ونجد هذا النوع في كافوريات المتنبي ، ومنهم من ذم الوزراء والأمراء ذما مسفرا ، ومن أمثلة ذلك ، قول أحدهم في ذم -المعلى بن أيوب- احد قواد الجيش العباسي:[13]
لعمر أبيك ما نسب المعلى
إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت
وصوح نبتها رُعي الهشيم
ومن الصور السياسية التي خلدت في اشعر ذلك العصر ؛ فتنة الزنج وهي كما ذكرنا من قبل ، اختلطت فيها الأسباب السياسية بالدينية والاجتماعية ، ومن مشاهد تلك الثورة التقتيل الذي اعملوه في غاراتهم على بعض مدن الدولة العباسية، ومن هذه المشاهد ما سطره ابن الرومي بقوله:
كم أغضوا من شارب بشرابه
كم أغضوا من طاعم بطعام
كم ضنين بنفسه رام منجىً
فتلقوا جبينه بالحسام
كم أخٍ قد رأى أخاه صريعا
ترِب الخد بين صرعىٍ كرام
كم أبٍ قد رأى عزيز بنيه
وهو يعلى بصارم صمصام
صبحوهم فكابد القوم منهم
طول يوم كأنه ألف عام
ففي هذه الأبيات يصف ابن الرومي –وصفاً نابضا بالأسى والموت- القتل الذي قام به الزنج بسكان مدينة البصرة وما حل بهم من دمار وفوضى سياسية ، ضربت معظم أجزاء الدولة العباسية (والمشهد نفسه يتكرر الآن في أرض الرافدين ،وإن اختلف الزمان والأيدي الغادرة ولكن يبقى المشهد بنفس آثاره).
---------------------
هل من رسول مخبر عني جميع العرب
من كان حياً منهم ومن ثوى في الترب
بأنني ذو حسب عالٍ على ذي الحسب
وتعلو وتيرة الشعر السياسي في العصر العباسي وتنخفض تبعاً لقوة وضعف الخلفاء في الدولة العباسية وامراء الامارات العباسية. ويسجل التاريخ والشعر العربي للخليفة المعتصم دوره السياسي البارز وقوته في التصدي للتدخلات الخارجية والدفاع عن زمام العرب والذب عن حياضهم ، فتم رصد كل ذلك في اشعار الشعراء المعاصرين له مثل ابي تمام في قصيدة "فتح عمورية".
وببداية العصر العباسي الثاني وتولى الخليفة المتوكل مقاليد حكم الدولة العباسية ، ظهرت الخلافات بين الخليفة وقواد الجيش من الاتراك مما حدا بالمتوكل إلى نقل عاصمة الخلافة إلى دمشق لمدة شهرين ، ذكر بعض الشعراء ذلك متندرا[3])
أظن الشام تشمت بالعراق
إذا همَّ الامام إلى انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيها
فقد تبلى المليحة بالطلاق
ولعل حال الحكام قد بلغ درجة كبيرة من الانحطاط بتدخل الاتراك والفرس في شؤون الدولة العباسية مما جعل أحد الشعراء يصف ذلك متندراً[4])
خليفة في قفص بين وصيف وبُغا
يقول ما قالا له كما يقول الببغا
وقول الآخر[5])
وزيرٌ لايملُّ من الرقاعة
يولي ثم يعزل بعد ساعة
إذا أهل الرُشا صاروا اليه
فاحظى القوم اوفرهم بضاعة
وهو تصوير حقيقي للحالة السياسية التي بلغتها الدولة العباسية في تلك الفترة من الضعف وتدخل الاتراك والفرس وغيرهم في مجريات الأحداث السياسية ، التي عصفت في اخر المطاف بالدولة العباسية إلى غير رجعة.
وفي جانب اخر ظهر شعراء الشيعة يمدحون آل البيت ويبالغون في وصفهم ونعتهم ويبكونهم ؛ لما وقع عليهم من ظلم ، كقول احمد بن الطاهر[6])
سلام على الاسلام فهو مودع
اذا مامضى آل النبي فودعوا
فقدنا العلا والمجد عند افتقادهم
وأضحت عروش المكرمات تضعضع
لقد اقفرت دار النبي محمد
من الدين والاسلام ، فالدار بلقع
وقُتّل آل المصطفى في خلالها
وبُدد شملٌ منهم ليس يجمع
وقد اخذ الشيعة وبعض الطوائف ، على الدولة العباسية انغاس الولاة والامراء وقواد الجيش في حياة الملزات والمجون ، وفي ذلك يقول محمد بن البعيث[7])
لهف نفسي على قصور ببغداد
وما قد حوته من كل عاص
وخمور هناك تشرب جهرا
ورجال على المعاصي حراص
لست بابن الفواطم الزهر إن
لم أُقحم الخيل بين تلك العراص
غير انه من الملاحظ ان مانادى به الشيعة من صفات واخلاق حميدة، وذمهم للخلفاء العباسيين لمجونهم وفسقهم ، هو عينه ماوقع فيه اصحاب هذه الثورات ، بل افحشوا فيه وظهرت بعد ذلك بثوب غير الذي نادى به شعراؤها.
عندما فشى امر هذه الثورات ، ظهرت حقيقة ضلالها وفجورها وميلها إلى قتل الأبرياء ومن أولئك أبو طاهر الجنابي صاحب الاحساء والبحرين ، الذي يقول في قصيدة طويلة مهددا ومتوعدا[8])
فمن مبلغ اهل العراق رسالة
باني انا الموهوب في البدو والحضر
فياويلهم من وقعة بعد وقعة
يساقون سوق الشاء للذبح والبقر
سأصرف خيلي نحو مصر وبرقة
إلى قيروان الترك والروم والخزر
اكيلهم بالسيف حتى ابيدهم
فلا ابق منهم نسل انثى ولا ذكر
اعمر حتى يات عيسى بن مريم
فيحمد آثاري وارضى بما أفر
واشتدت الصراعات وتعددت اطرافها وتنوعت ملامحها السياسية ، وكان للشعراء فضل إذكاء نيران تلك الصراعات السياسية ، وكانت أشعارهم في مدح هذا الاتجاه أو ذاك بمثابة الوقود الذي يلقى على النار فيزيد من أوارها ، وتتقلب تلك الصراعات ؛ فتارة تصطبغ بصبغة دينية ، ومرة بقومية عربية ، وأخرى بنعرة شعوبية ، والشعراء هم الكير الذي ينفخ فيها فيؤجج نيرانها كلما خبت، وفي ذلك يقول علي بن الجهم واصفا تلك الحال[9] :
قام وأهل الأرض في رجفة
بط فيها المقبل المدبر
في فتنة عمياء لا نارها
خبو ولا موقدها يفتر
ويأخذ الشعراء في تصوير الصراعات السياسية في شكل مشاهد ، فهاهو البحتري يصور أحداث مقتل الخليفة المتوكل واصفا لها بالمؤامرة السياسية التي تحاك ضد الخليفة ، ويشير إلى المتهمين المتورطين في مقتله بما فيهم ابنه ولي العهد، فيقول[10]:
أكان ولي العهد اضمر غدره
فمن عجب ان ولي العهد غادره
وهل ارتجى أن يطلب الدم واتر
يد الدهر والموتور بالدم واتره
فيمتزج العرض بالتحليل السياسي والنفسي في وصف هذه الجريمة الشنعاء والتي توضح ان الصراعات السياسية كانت السمة البارزة في ذلك العصر.
وملاحظها يمكن ان نلمحها في عموم الشعر السياسي وهو صدق الإحساس في المرثيات السياسية التي عبر عنها الشعر في مراثيهم لشخصيات أو بلدان او حضارات ، ومن أمثلة ذلك مرثية علي بن الجهم في مقتل المتوكل وتصوير أحداث مصرعه حيث يلتقي مع البحتري في أسلوب الاستنكار ، حين يقول:[11]
فأين الحجاب الصعب حيث تمنعت
بهيبتها أبوابه ومقاصره
فما قاتلت عنه المنون جنوده
ولا دافعت أملاكه وذخائره
وفي اتجاه آخر يبرز الالتزام بالحس القومي العربي في الشعر ، حيث نادى المتنبي مرارا وتكرارا بالقومية العربية وما آلت إليه من تردى مرير:
إنما الناس بالملوك وما
تنفع عرب ملوكها عجم
لا دين عندهم ولا حسب
ولا عهود لهم ولا ذمم
وفيما يختص بالثورات السياسية فلم تكن ثورة الشيعة بزعامة العلويين وحدها التي أقضت مضاجع الخلفاء وأخرجت لنا شعر الثورات ، فقد كانت هناك ثورات أخرى حدثت في أرجاء الخلافة العباسية الواسعة وامتاز بعض أولئك الثوار بنظم الشعر فجمعوا بين كونهم ثوار وقواد وبين شاعريتهم التي عضدوا وآزروا بها ثوراتهم ضد الدولة العباسية، سنأخذ بعض الأمثلة لشعراء تلك الثورات ، وقد عنينا بتناول المغمورين منهم والذين لم تحفل بهم كتب الأدب كثيرا ولم يكن لهم صيت ؛ ذلك ان شعراء السياسة ممن مدحوا الخلفاء ومجدوهم سنفرد لهم مساحة منفصلة نتناول فيها حياتهم وأثر السياسة في أشعارهم.
ومن أمثلة شعراء ثورة الزنج ، ومناداتهم بالتحرر من ذل العبودية وطلب المساواة ،قول احدهم مخاطبا بني العباس قائلا:[12]
بني عمنا لا توقدوا نار فتنة
بطيء على مر الليالي خمودها
بني عمنا إنا وانتم أنامل
تضمنها من راحتيها عقودها
ومن أولئك الثوار الذين سطروا مجد بطولاتهم شعرا عبد العزيز بن بكر بن عبد العزيز ،وكان أبوه واليا على إقليم الجبل في إيران من قبل هرون الرشيد حتى وفاته ، فعزله الخليفة المعتز وولى عليه موسى بن بغا ، ومن شعره قوله متوعدا الخليفة:
ألقى الأحبة بالعراق عصيهم
وبقيت نصب حوادث الأيام
وتشعب العرب الذين تصدعوا
فذببت عن أحسابهم بحسامي
فلأقرعن صفاة دهر نابهم
قرعا يهد رواسي الأعلام
ولأتركن الواردين حياضهم
بقرارة لمواطئ الأقدام
يا بدر إنك لو شهدت مواقفي
والموت يلحظ والصفاح دوامي
لذممت رأيك في إضاعة حرمتي
ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي
حركتني بعد السكون وإنما
حركت من حصني جبال تهام
ونلمح في حديثه نبرة الأسى لحال العرب في تلك الفترة فقد صاروا فرقا مختلفة ، ضعفاء يستبيح حمامهم حثالة الناس من الأعاجم وغيرهم ، وهو في هذه الأبيات يتوعد الخليفة المعتضد كما يتوعد أعداء العرب ممن استباحوا بيضة العرب ؛ بالذل والهوان ، والأبيات فيها من قوة الألفاظ ووضوح المعاني ، كأنها وقع القنا او صلصلة السيوف ، وهذا النوع من الشعر ما كان سائدا في شعر الفخر السياسي في ذلك العصر.
وشعر المديح السياسي –إن جاز لنا أن نسميه كذلك- لم يكن مدحا صرفا للخلفاء والوزراء والقواد، إنما نشأ نوع جديد من المدح باطنه هجاء وانتشر هذا النوع في العصر العباسي ، ويمكننا أن نلحظ هذا النوع من الشعر عند المتنبي (وهو شبيه بما يسميه الصيادلة Sugar coated) ) بتغليف الحبوب المرة بغلاف سكري) ونجد هذا النوع في كافوريات المتنبي ، ومنهم من ذم الوزراء والأمراء ذما مسفرا ، ومن أمثلة ذلك ، قول أحدهم في ذم -المعلى بن أيوب- احد قواد الجيش العباسي:[13]
لعمر أبيك ما نسب المعلى
إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت
وصوح نبتها رُعي الهشيم
ومن الصور السياسية التي خلدت في اشعر ذلك العصر ؛ فتنة الزنج وهي كما ذكرنا من قبل ، اختلطت فيها الأسباب السياسية بالدينية والاجتماعية ، ومن مشاهد تلك الثورة التقتيل الذي اعملوه في غاراتهم على بعض مدن الدولة العباسية، ومن هذه المشاهد ما سطره ابن الرومي بقوله:
كم أغضوا من شارب بشرابه
كم أغضوا من طاعم بطعام
كم ضنين بنفسه رام منجىً
فتلقوا جبينه بالحسام
كم أخٍ قد رأى أخاه صريعا
ترِب الخد بين صرعىٍ كرام
كم أبٍ قد رأى عزيز بنيه
وهو يعلى بصارم صمصام
صبحوهم فكابد القوم منهم
طول يوم كأنه ألف عام
ففي هذه الأبيات يصف ابن الرومي –وصفاً نابضا بالأسى والموت- القتل الذي قام به الزنج بسكان مدينة البصرة وما حل بهم من دمار وفوضى سياسية ، ضربت معظم أجزاء الدولة العباسية (والمشهد نفسه يتكرر الآن في أرض الرافدين ،وإن اختلف الزمان والأيدي الغادرة ولكن يبقى المشهد بنفس آثاره).
---------------------
المصادر
1 - تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف ، دار المعارف- 1973، ط6 / ص370.
[2] مرجعية الشعر العباسي ، د.عبد الله التطاوي –الدار المصرية اللبنانية 2006م ص21.
[3] المرجع السابق ص27.
[4] تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف –ص17.
[5] تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف، ص23.
[6] مروج الذهب ، ابي الحسن بن الحسين المسعودي.- ج4 / ص64.
[7] تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف- ص402.
[8] النجوم الزاهرة، جمال الدين ابي المحاسن- تحقيق د.ابراهيم علي طرخان المؤسسة المصرية للتاليف والترجمة والنشر 1963، ج3 ص 225.
[9] مرجعية الشعر العباسي ، د.عبد الله التطاوي – ص116.
[10] المرجع السابق، ص120.
[11] مرجعية الشعر العباسي بين الخبر والنص، د.عبد الله التطاوي- ص129.
[12] تاريخ الأدب العربي ، العصر العباسي الثاني، د.شوقي ضيف – ص401.
[13] تاريخ الأدب العربي ، العصر العباسي الثاني ، د.شوقي ضيف- ص417.
1 - تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف ، دار المعارف- 1973، ط6 / ص370.
[2] مرجعية الشعر العباسي ، د.عبد الله التطاوي –الدار المصرية اللبنانية 2006م ص21.
[3] المرجع السابق ص27.
[4] تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف –ص17.
[5] تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف، ص23.
[6] مروج الذهب ، ابي الحسن بن الحسين المسعودي.- ج4 / ص64.
[7] تاريخ الأدب العربي ، د.شوقي ضيف- ص402.
[8] النجوم الزاهرة، جمال الدين ابي المحاسن- تحقيق د.ابراهيم علي طرخان المؤسسة المصرية للتاليف والترجمة والنشر 1963، ج3 ص 225.
[9] مرجعية الشعر العباسي ، د.عبد الله التطاوي – ص116.
[10] المرجع السابق، ص120.
[11] مرجعية الشعر العباسي بين الخبر والنص، د.عبد الله التطاوي- ص129.
[12] تاريخ الأدب العربي ، العصر العباسي الثاني، د.شوقي ضيف – ص401.
[13] تاريخ الأدب العربي ، العصر العباسي الثاني ، د.شوقي ضيف- ص417.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق