"أسرار" الحياة بعد الموت عند الحضارات الوثنية القديمة

. . ليست هناك تعليقات:
"أسرار" الحياة بعد الموت عند الحضارات الوثنية القديمة               
يعتبر الموت أكثر ما يواجه الإنسان في حياته غموضاً، فما بعد الموت هو المجهول. والإنسان بفطرته، يخاف من كل ما هو غامض ومجهول، لذلك أسس النظريات، واتّبع العقائد المختلفة ليكتشف أعظم سر واجهه حتى اليوم: الموت وما بعد الموت. فكيف ناقشت الديانات الوثنية القديمة تلك المعضلة؟

الحضارة المصرية القديمة: الخير طريق الخلود

يقول رجب سلام عمران، أستاذ التاريخ القديم بجامعة القاهرة ، إن المصري القديم هو أول من اهتم بمسألة البعث والخلود والحساب بعد الموت، وترك لنا أول وثائق دينية، عرفها الإنسان بهذا الصدد، وهو ما يُعرف بـ"كتاب الموتى"، الذي وضع فيه تصوراً كاملاً ومفصلاً للحياة الآخرة. وقد اعتبر المصري القديم أن هذا الكتاب دليله ومرشده الوحيد لبلوغ المحاكمة الأخيرة. والكتاب عبارة عن لفائف بلغ عددها العشرين ألف نسخة، أقدم تلك النصوص يعود لعام 1500 قبل الميلاد، وأكبرها لفافة "آني"، التي تحتوي على 65 صلاة وتعويذة سحرية و150 رسماً ملوناً، ويبلغ طولها نحو 78 قدماً. يساعد الكتاب الميت بعد تحنيطه على عبور العالم السفلي الموحش ببواباته الـ12، والتي تحرسها الثعابين والوحوش.
وأضاف: "كانوا يعتقدون أن الميت لا بد من تحنيطه ومده بالمؤونة اللازمة لرحلته المرعبة، فالتحنيط يساعد على الحفاظ على الجثة التي سوف تلتحم بالروح هناك، بعد أن يجتاز البوابات بالتعاويذ السحرية، التي تتضمن أسماء حراس كل بوابة. بعدها، وإن تمكن من العبور، يجد المحاكمة في انتظاره. تتشكل هيئة المحكمة من أوزيريس الجالس على عرشه في العالم السفلي، وإلى الخلف أختاه إيزيس ونفتيس، وأمامه أبناء ابنه حورس، ثم 42 قاضياً".
وأوضح عمران أن الميت حينها يلقي التحية المناسبة، ويبدأ بما يعرف بالاعتراف بالنفي: "السلام عليك أيها الإله الأعظم إله الحق، لقد جئتك يا إلهي خاضعاً لأشهد جلالك، جئتك يا إلهي متحلياً بالحق، متخلياً عن الباطل، فلم أظلم أحداً ولم أسلك سبيل الضالين، لم أحنث في يمين ولم تضلني الشهوة فتمتد عيني إلى زوجة أحد من رحمي، ولم تمتد يدي لمال غيري، لم أكن كاذباً ولم أكن لك عصياً، ولم أسعَ إلى الإيقاع بعبد عند سيده. إني يا إلهي لم أوجع ولم أبك أحداً، وما قتلت وما غدرت، بل وما كنت محرضاً على قتل، إنني لم أسرق من المعابد خبزها ولم أرتكب الفحشاء ولم أدنس شيئاً مقدساً، ولم أغتصب مالاً حراماً ولم أنتهك حرمة الأموات، إنني لم أبع قمحاً بثمن فاحش ولم أغش الكيل. أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر. وما دمت بريئاً من الآثام، فاجعلني يا إلهي من الفائزين".
بعد ذلك يتم وضع قلب الميت في الميزان، وفي الكفة الأخرى ريشة "ماعت"، التي ترمز إلى العدل والأخلاق الطيبة. وماعت هي إلهة الحق والعدل والنظام في الكون، وهي سيدة تضع على رأسها ريشة، ومنها اشتق المصريون قولهم في وصف السيدة المتحكمة بأن "على رأسها ريشة".
هكذا، إذا كان الميت شريراً وفارغاً من كل خير، تميل كفة الريشة، فيلقى بقلبه إلى الوحش "عمعموت"، الذي يلتهمه لتكون نهاية أبدية للميت. أما إذا مالت كفة القلب فإن هذا دليل على أنه ممتلئ بالخير، وأن الميت صالح، فيُلبّس ملابس جميلة ويدخله حورس حديقة الفردوس لينعم بحياة أبدية سعيدة!
وقد تأثر الناس بتلك الفكرة وقتها، لدرجة أنهم اهتموا بالموت أكثر من اهتمامهم بالحياة نفسها. بنوا الأهرامات وشيدوا المعابد، وعاني الفقراء من أسعار التحنيط. أما الجانب الإيجابي، فهو يرجع للأخلاق الحميدة التي اتسم بها المصري القديم.

سومر: لا شيء غير الجحيم

يشير رجب إلى أن هناك بعض الحضارات التي آمنت بالحياة بعد الموت، ومنها الحضارة السومرية، التي تمركزت في بلاد ما بين النهرين – العراق، سوريا، تركيا. كانوا يدفنون مع الميت سبع جرار من البيرة، و400 رغيف من الخبز، وعباءة، ووسادة من أجل الرحلة. وكانوا يعتقدون أن الدفن في الأرض منفذ للعالم السفلي، حيث يقع نهر "هابور" والملاح "هامو طابال"، صاحب الأربعة رؤوس من الطير. ينتظر الميت بقاربه ثم ينقله إلى مدينة الموتى، ولمدينة الموتى سبع بوابات ضخمة، وعلى الميت أن يتجرد من أشيائه عند كل بوابة، حتى يصل إلى البوابة الأخيرة عارياً حيث ينتظره "اريشيكجال"، كبير آلهة مدينة الموتى الذي يقوده إلى سبع آلهة لتحديد مصيره.
أما عن الحياة داخل مدينة الموتى، فكانت اجتماعية ودينية. ما عبرت عنه أسطورة "أنكيدو"، الذي نزل إلى العالم السفلي ليأتي بـ"الباكو والماكو"، وهما من الآلات الموسيقية تخصان جلجامش. وبعدما عاد، حكى لسيده جلجامش عما يدور في العالم السلفي، فأبلغه أن كثرة النسل تجلب السرور ورضا الآلهة، وأن الميت الذي لا يجد من يعتني به، ومن لم يقدم أهله القرابين بشكل دائم، يعيش على بقايا الأموات. لكن، الغريب فعلاً، أن فكرة الموت لم تكن متمثلة في البشر فقط، بل كانت آلهتهم تموت أحياناً.       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جديد

محاولة وضع سلا يدر

صفحة المقالات لابرز الكتاب

المشاركات الشائعة